خاص- النقار
مهما يكن من شيء، فإن مقابلة واحدة مع القائم بأعمال رئيس الوزراء في حكومة صنعاء (الحوثي) تكفي لقلب معدة المواطن اليمني ظهراً وبطناً، وذلك لكثرة الحقائق الصادمة التي يدلي بها العلامة من حين إلى آخر. حتى إن المقابلة الأخيرة التي خص بها قناة المسيرة التابعة لجماعته كانت من الحفاوة، حيث لم يكن بوسع جميع المواقع والمنصات إلا أن تلخصها في نقاط، من مثل: (وصلنا إلى اكتفاء ذاتي في كثير من المنتجات الزراعية ومتجهين إلى الاكتفاء في منتجات أخرى). هذه واحدة من تلك العبارات التي تجعل المواطن يتساءل: هل يتحدث مفتاح عن اليمن الذي نعيش فيه، أم عن يمن آخر يقع في كوكب مجاور؟ بحسب التعريف الشعبي البسيط، فإن الاكتفاء الذاتي يعني أن يجد الناس ما يحتاجونه من إنتاج بلدهم بفعل النهضة الزراعية. أما أن تقول للمواطن إنك وصلت إلى الاكتفاء الذاتي، بينما هو يذهب إلى السوق بقائمة مشتريات ويعود منها بقائمة أمنيات، فهذه ليست سياسة زراعية؛ هذه لعبة لغوية. ولعل حكومة مفتاح حققت فعلاً الاكتفاء الذاتي، لكن يبدو أنها حققته في البيانات والتصريحات، لا في السلال الغذائية. فبذور البطاط الفاسدة مثلا تملأ الحقول وتجعل منها قاعا صفصفا بلا تربة صالحة، وقمح الجوف الذي نهبته وزارة الزراعة في حكومة مفتاح من المزارعين دون أن تعطيهم ثمنه جدير بأن يشبع الجميع، ولدرجة أن التاجر فاهم لم يعد يجد ما يفعله، ولا من يحتاج من الناس إلى السلال الغذائية التي كان يوزعها وتصل إلى بيوت الناس دون هتافات أو صخب. ولذلك، ربما شكرته حكومة مفتاح وقالت له: إياك أن تفعلها مرة أخرى، فقد جعلنا المواطنين يكتفون ذاتياً. وربما كانت تقصد بالاكتفاء الذاتي أن المواطن قد تولدت لديه خاصية ذاتية تجعله في غنى عن أي مدخلات أخرى؛ فجسده يطعم نفسه ذاتياً، ولا يحتاج إلى شيء اسمه قمح أو خبز أو سلة غذائية أو حتى وجبة. وهذا بالمناسبة قد يفسر موقف مفتاح من ذلك المواطن البائس الذي خرج يصرخ بملء صوته: أنا جاوع. فقد يكون الرجل، من وجهة نظر الحكومة، لم يتعلم بعد كيف يكتفي ذاتياً فلا يجوع. والمثير أن مفتاح لم يتوقف عند أنواع معينة من منتجات الاكتفاء، وإنما أضاف أن حكومته "متجهة إلى الاكتفاء في منتجات أخرى". أي أننا أمام قافلة من الاكتفاءات تسير بخطى حثيثة، والمواطن واقف على جانب الطريق يسأل: بأي نوع من الاكتفاءات سأكتفي؟ وربما لا داعي للوقوف عند بقية النقاط التي ذكرها مفتاح، وذلك من باب (إذا ابتليتم فاستتروا)، ولكن يمكن ذكرها للاستفادة لا أكثر، وهي: - نركز على الإنتاج ووضع معالجات للواقع المعيشي - نسعى إلى توطين الصناعات وتحسين الخدمات في الكهرباء والصحة وغيرها - اليمن ليس بيئة طاردة للاستثمار لكن المحيط الخارجي التآمري يعمل للتضييق على التجار والمستثمرين - نتجه قريبا بإذن الله لتبسيط الإجراءات والمعاملات واعتماد النافذة الواحدة للمستثمرين وغيرهم - نحاول قدر الإمكان تحقيق التوازن بين مصالح المصنعين والمستثمرين والمستوردين وبين احتياجات المجتمع - نسعى إلى توطين صناعة الملابس في اليمن وبالتالي يبدو أن المشكلة لم تكن يوما في نقص المنتجات ولا في نقص الصناعات ولا في الكهرباء والصحة والاستثمار، وإنما في أن المواطن نفسه لا يواكب النهضة العظيمة التي نهضت بها حكومة مفتاح. فهي تقول إن البلاد مكتفية ذاتياً، والمواطن يقول: أنا جاوع، وبين الجملتين تقف الحقيقة جلية حائرة في الوقت ذاته: إذا لم تستح فكن مفتاح.