• الساعة الآن 12:45 AM
  • 16℃ صنعاء, اليمن
  • 16℃ صنعاء, اليمن

جمعة مباركة للفئة (أ) والبقية للبقية

جمعة مباركة للفئة (أ) والبقية للبقية

خاص-النقار
جمعة مباركة للجرموزي ولجميع أصحاب الفئة (أ) من وزراء ووكلاء وزارات وأعضاء مجلس نواب وشورى ومدراء عموم، ومن إليهم من المحظوظين الذين لم تضعهم الأقدار في طابور انتظار نصف الراتب كل يوم وليلة. 
جمعة مباركة في ظل اللاحياء المتجسد في سلطة يقال لها سلطة صنعاء، وحكومة يقال لها حكومة تغيير وبناء، حيث تُركت الغالبية العظمى من الموظفين لمواجهة الحياة بنصف راتب لا يصل، ومواعيد لا يعرف أحد موعد انتهاء صلاحيتها، فيما احتفظ المسؤولون بحقهم الكامل في إدارة الأزمة والاستمتاع بامتيازاتها.
هل يمكن أن توجد في العالم كله حكومة كهذه؟ كلا، وأنّى ذلك! فلا بد أن يكون وراء هذه المعجزة عقل استراتيجي استثنائي، وقد عثرت عليه سلطة صنعاء في مكان ما لا أحد يعرف أين هو بالضبط، ثم استأثرت به لنفسها. إنه الجرموزي، الرجل الذي تنقل بين مناصب عدة، من وكيل محافظة إلى رئيس مصلحة ضرائب وصولا إلى وزير مالية، واستقر هناك حيث تداخل المنصب مع استراتيجية الساعة السليمانية فأنتجا الخطط الخمسية والعشرية والقرنية، وأ، وب، وج. 
فالرجل لا يتوقف عند الأبجدية حين تأتي على هيئة بنود وربط قات. أما حين تأتي على هيئة مرتبات، فتكون قد حضرت بكل ثقلها الذي تحتاج معه إلى استراتيجية، والاستراتيجية تحتاج إلى وقت، والوقت يحتاج إلى مسؤول متفرغ، والمسؤول المتفرغ يحتاج بدوره إلى مرتب كامل حتى يتفرغ للتفكير في كيفية صرف أنصاف مرتبات الآخرين. وهكذا تدور العجلة، ولا يصل الموظف إلى شيء سوى أن عليه أن ينتظر بعمر إضافي حتى يخرج إليه الجرموزي. 
غير أن الجرموزي مولعي عسر، كما يقال، ولا يظهر إلا مرة واحدة في السنة، مثل اليُبْيُب، متنقلا بين المناصب والخطط، حتى صار من الصعب معرفة أين ينتهي المنصب وتبدأ الاستراتيجية. والمسألة ليست مجرد مال يُصرف، وإنما مشروع حضاري يتطلب أن ينضج الموظف في الانتظار، وأن يتعلم أبناؤه أن المطالب المعيشية العاجلة لا ينبغي أن تفسد على الحكومة ووزير ماليتها متعة التفكير في المستقبل.
وإذن الرجل ليس بذلك السوء. فهو في نهاية المطاف يريد الاحتفاظ بمنصب لم يكن يحلم به أساسا، فجاء الذين يتيحونه له بكل سهولة ويسر وقالوا له هاك المنصب وعليك فقط أن تفكر فقط وأن تكون بروفيسورا استراتيجيا. وهكذا كان.
وبالتالي ليس مطلوبا منه أن يجيب عن سؤال بسيط من قبيل: أين مرتبات الموظفين؟ بل أن يبتكر للسؤال نفسه مستقبلا بعيدا ويضع له خطة، وربما يشكل لجنة لدراسة مدى ملاءمته للمرحلة.
ولعل هذا ما يفسر نجاته من الغارة الإسرائيلية التي أودت بحياة رئيس الحكومة وعدد من وزرائه. فمهمته، وفق المنطق الذي تديره به سلطة صنعاء، أكبر من أن تنحصر في حضور اجتماعات الحكومة أو الظهور في صورة على قناة إخبارية. 
مؤخرا، بلغت استراتيجية الجرموزي ذروتها حين رفض استدعاء نيابيا لمساءلته عن المرتبات. إنما ليس في الأمر غرور أو استعلاء ولا شعور بأن المنصب أكبر من المساءلة. هي فقط فلسفة جديدة في الحكم: المسؤول لا يُقاس بما يجيب عنه وإنما بما يستطيع ألا يُسأل عنه لكونه مشغولا على الدوام. حتى صفحته في إكس وفيسبوك هجرها إلى غير رجعة، تاركا مجموعات الموظفين المطالبين بنصف الراتب تصرخ حتى يبح صوتها. ولعل الرجل اقتنع بأن التواصل مع أصحاب المطالبات بنصف الراتب قد يربك الاستراتيجية، وأن أفضل وسيلة لإدارة الجوع هي اتباع طريقة اليُبْيب، وألا يبدي المسؤول وجهه إلا فيما ندر حتى يحسده الجائعون.

شارك الخبر: