واصل الجيش الأمريكي تعزيز وجوده الجوي والبحري في الشرق الأوسط بشكل ملحوظ، وذلك قبيل الجولة الثانية من المحادثات مع إيران، التي جرت في جنيف الثلاثاء.
وذكرت مصادر، لشبكةCNN ، أن هذه الإجراءات تهدف إلى ترهيب طهران، فضلاً عن توفير خيارات لشنّ ضربات داخل البلاد في حال فشل المفاوضات بشأن برنامجها النووي.
وتُعيد القوات الجوية الأمريكية المتمركزة في المملكة المتحدة، بما في ذلك طائرات التزود بالوقود والطائرات المقاتلة، تمركزها بالقرب من الشرق الأوسط، وفقًا لمصادر مطلعة على هذه التحركات.
كما تواصل الولايات المتحدة إرسال أنظمة الدفاع الجوي إلى المنطقة، بحسب مسؤول أمريكي، وقد تم تمديد أوامر بقاء العديد من الوحدات العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة، والتي كان من المتوقع انسحابها خلال الأسابيع المقبلة، وفقًا لمصدر مطلع.
وتشير بيانات تتبع الرحلات الجوية إلى أن عشرات الطائرات العسكرية الأمريكية نقلت معدات من الولايات المتحدة إلى الأردن والبحرين والسعودية خلال الأسابيع الأخيرة.
والجمعة، مُنحت عدة طائرات مقاتلة تصريحًا دبلوماسيًا لدخول المجال الجوي الأردني، وفقًا لبيانات اتصالات الحركة الجوية المتاحة للعموم.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية تمركز 12 طائرة هجومية أمريكية من طراز إف-15 في قاعدة موفق السلطي الجوية الأردنية منذ 25 يناير/كانون الثاني.
وبشكل أوسع، تُشير بيانات الرحلات الجوية المتاحة للعموم إلى وجود أكثر من 250 رحلة شحن أمريكية إلى المنطقة.
ويُهدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ أسابيع بعمل عسكري ضد إيران، بدءًا من الشهر الماضي عندما حذر القادة الإيرانيين من استعداده لإصدار أوامر بشن هجوم إذا لم تتوقف الحكومة عن قتل المتظاهرين.
والجمعة، ذكر بأنه يعتقد أن تغيير النظام "سيكون أفضل ما يمكن أن يحدث" في إيران.
ويُثير حشد القدرات العسكرية وتأكيد ترامب وكبار مسؤولي إدارته على أن تغيير النظام هو الخيار المُفضل، حالة من التوتر في المنطقة.
"لا أحد يعلم" من سيتولى السلطة
لكن يبدو أن الإدارة الأمريكية لا تزال تفتقر إلى فهم واضح لما سيحدث في حال سقوط النظام الإيراني، وفقًا لمصدرين مطلعين على الأمر.
وأكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو هذا الأمر خلال جلسة استماع في الكونغرس أواخر الشهر الماضي، قائلا للمشرعين إنه "لا أحد يعلم" من سيتولى السلطة في حال سقوط النظام.
وأشارت المصادر إلى أن البدائل المحتملة قد تكون أكثر إشكالية بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها.
فعلى المدى القريب، من المرجح أن يملأ “الحرس الثوري” أي فراغ قيادي، وفقًا لما يعتقده مجتمع الاستخبارات الأمريكية، بحسب المصادر.
وقال مصدر مطلع على تقارير الاستخبارات الأمريكية الأخيرة حول هذا الموضوع: "يتمتع الحرس الثوري بمكانة بارزة ويتجاوز دوره البيروقراطي العسكري التقليدي، لكن من الصعب التنبؤ بدقة بما سيحدث في حال انهيار النظام".
وتفتقر الولايات المتحدة إلى رؤية واضحة لهيكل “الحرس الثوري” بعد اغتيالها لقائد "فيلق القدس"، الجنرال قاسم سليماني، خلال الولاية الأولى لترامب.
وبينما كان لدى مسؤولي الاستخبارات الأمريكية فهمٌ دقيقٌ لديناميكيات القوة في فنزويلا قبل اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو الشهر الماضي، فإنهم يفتقرون إلى نفس القدر من المعرفة حول من، إن وُجد، يُمكن أن يُشكّل بديلاً مناسباً وفعّالاً للمرشد الإيراني، علي خامنئي وفقاً لمصادر.
وذكرت مصادر متعددة بوجود أسباب وجيهة للنظر في اتخاذ إجراء عسكري قبل أسابيع، في ذروة الاحتجاجات الإيرانية، ففي ذلك الوقت، كانت هناك فرصة ضئيلة كان من الممكن أن تُرجّح فيها الضربات الأمريكية كفة المعارضة، مما يُعطي الإيرانيين زخماً للإطاحة بحكومتهم بشكل طبيعي.
وتتساءل هذه المصادر الآن عما إذا كان ترامب قد "أضاع الفرصة"، وتشكك في قدرة الضربات العسكرية التي شُنّت بعد أسابيع على تحقيق ما كان يُمكن أن تُحقّقه الشهر الماضي.
لكن في ذلك الوقت، كانت الأصول العسكرية الأمريكية مُركّزة في منطقة الكاريبي بدلاً من الشرق الأوسط، مما حدّ من خيارات الولايات المتحدة وأثار قلق الإسرائيليين، الذين كانوا يخشون أن يصبحوا عُرضةً للخطر في حال ردّت إيران بهجوم صاروخي باليستي.
ومنذ ذلك الحين، غيّر ترامب تبريره للهجوم المحتمل، مُركزًا إياه على تردد إيران في وقف تخصيب اليورانيوم لبرنامجها النووي.
وقال ترامب، الجمعة، مُتحدثًا عن المحادثات المُقبلة: "أعتقد أنهم سينجحون. وإن لم ينجحوا، فسيكون يومًا عصيبًا على إيران".
وعلى عكس الشهر الماضي، تتواجد الآن في المنطقة حاملة الطائرات الأمريكية "أبراهام لينكولن"، ومجموعة حاملة الطائرات "جيرالد فورد" في طريقها، بالإضافة إلى أسراب من الطائرات المقاتلة وطائرات التزود بالوقود التي يجري إعادة تمركزها بسرعة.
وقال ترامب، الجمعة، رداً على سؤال حول سبب توجه حاملة الطائرات "فورد" إلى المنطقة: "في حال عدم التوصل إلى اتفاق، سنحتاج إليها".
قدرات الحشد العسكري
ويمنح هذا الحشد العسكري الأمريكي خيارات واسعة للضربات في حال أمر ترامب بشن هجوم.
فعلى سبيل المثال، يمكن للمدمرات المزودة بصواريخ موجهة، والتي تبحر مع حاملات الطائرات، حمل عشرات صواريخ توماهوك الهجومية البرية التي يصل مداها إلى 1000 ميل، وتحمل رأساً حربياً تقليدياً يزن 1000 رطل.
وعادةً ما تعمل مجموعات حاملات الطائرات التابعة للبحرية الأمريكية مع غواصة هجومية قادرة أيضاً على إطلاق صواريخ توماهوك كما يمكن للطائرات المقاتلة من طراز إف-35 وإف-15إي حمل مجموعة متنوعة من القنابل الموجهة والصواريخ جو-أرض.
ووفقاً لمصادر متعددة، تشمل الأهداف المحتملة للضربات مقر قيادة "الحرس الثوري" ومنشآت عسكرية أخرى خارج المواقع النووية الإيرانية.
وذكرت مصادر بأن هناك نقاشًا يدور حول إمكانية قيام الولايات المتحدة وإسرائيل بعمليات مشتركة.
وأضافت أن هذه العمليات قد تُشابه عملية "مطرقة منتصف الليل" التي نُفذت الصيف الماضي، عندما شنت الولايات المتحدة ضربات على مواقع نووية إيرانية قرب نهاية الحرب الإسرائيلية الإيرانية التي استمرت 12 يومًا.
"من الصعب التوصل إلى اتفاق مع إيران"
ذكر ترامب خلال عطلة نهاية الأسبوع أن الولايات المتحدة "لا ترغب في أي تخصيب"، مما يُشير إلى أن الولايات المتحدة لن تقبل باتفاق يسمح حتى بتخصيب اليورانيوم بمستويات منخفضة من قِبل إيران.
ونظرًا لموقف إيران القائل إن التخصيب حقٌ لها، قالت المصادر إنه قد لا يكون هناك مجال للتفاوض.
لكن المصادر أشارت أيضًا إلى أن المواقف المتشددة قبل بدء المفاوضات قابلة للتغيير دائمًا، وهناك أيضًا طرق أخرى قد تلجأ إليها الحكومة الإيرانية لدرء أي هجوم أمريكي، بما في ذلك تقديم حوافز اقتصادية.
وخلال جولات متعددة من المحادثات الأمريكية الإيرانية العام الماضي، دارت نقاشات حول صفقات تجارية محتملة يُمكن إبرامها بالتزامن مع اتفاق نووي، بما في ذلك منح الولايات المتحدة امتيازات في تطوير موارد النفط والغاز والعناصر الأرضية النادرة الإيرانية، وفقًا لأحد المصادر.
وأضاف المصدر أنه من المتوقع إعادة طرح هذا الموضوع.
والتقى رئيس الهيئة الوطنية للرقابة النووية التابعة للأمم المتحدة، رافائيل غروسي، مع عراقجي في جنيف، الاثنين، فيما وصفه كلاهما بـ"مناقشات فنية معمقة"، في ظل تكثيف الاستعدادات للمفاوضات النووية الحاسمة، الثلاثاء.
وفي تصريحات، أكد روبيو أن ترامب يفضل حلاً دبلوماسياً لكنه شدد أيضاً مراراً على صعوبة التوصل إلى مثل هذا الاتفاق، وقال في مؤتمر صحفي في بودابست، المجر، الاثنين: "إيران في نهاية المطاف تُحكم، وقراراتها تُحكم من قبل رجال دين شيعة - رجال دين شيعة متشددون، حسناً؟ هؤلاء يتخذون قراراتهم السياسية بناءً على الدين فقط. هكذا يتخذون قراراتهم. لذا، من الصعب التوصل إلى اتفاق مع إيران".
وعندما سُئل روبيو،، الأحد عما إذا كانت الإدارة ستُبلغ الكونغرس في حال قررت مهاجمة إيران أو محاولة عزل المرشد الإيراني، امتنع عن الإدلاء بأي تصريح، وقال في مؤتمر صحفي في سلوفاكيا: "سنلتزم بالقانون في هذا الشأن، ويتوقف الأمر على الظروف التي قد تترتب عليه. لكننا الآن نتحدث عن مفاوضات".
وأضاف: "إذا تغير الوضع، فسيكون ذلك واضحًا للجميع. وبالطبع، سنفعل ما يقتضيه القانون".
ووفقًا لمصادر مطلعة على المحادثات، يشعر الحلفاء الإقليميون، بمن فيهم دول الخليج، بقلق بالغ من أن يؤدي العمل العسكري الأمريكي إلى زعزعة استقرار المنطقة، وضغطوا من أجل تأجيل أي عمل عسكري لإتاحة المزيد من الوقت للدبلوماسية.
وقال دبلوماسي من المنطقة: "الجميع يعارض الضربة"، وأضاف أن إسرائيل هي الطرف الإقليمي الوحيد الذي يحث الولايات المتحدة على شن هجوم.
وفي غضون ذلك، أجرت إيران مناورات عسكرية إضافية قبل أقل من 24 ساعة من محادثات جنيف.
ووفقًا للتقرير، تتمركز طائرات مسيرة تابعة للحرس الثوري في أقصى جنوب إيران، على "أهبة الاستعداد لمواجهة أي معتدٍ".
وحذر رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية، اللواء عبدالرحيم موسوي، الأحد، من أن "على ترامب أن يعلم أنه سيخوض مواجهة قاسية، ستضمن نتائجها توقفه عن إطلاق التهديدات في أنحاء العالم"، وذلك بحسب ما نقلته قناة "برس تي في" الرسمية.