ابتكر باحثون طريقة جديدة ومثيرة لمكافحة العدوى المقاومة للأدوية، تقوم على تعزيز قدرة جهاز المناعة في الجسم.
وتعد مقاومة مضادات الميكروبات (AMR) واحدة من أخطر التهديدات الصحية في العالم، إذ تفقد فيها البكتيريا والفيروسات والفطريات والطفيليات قدرتها على الاستجابة للعلاجات الدوائية.
وتشمل أبرز العدوى الشائعة المقاومة للأدوية التهابات المسالك البولية والالتهاب الرئوي وبكتيريا الإشريكية القولونية (E. coli) والمكورات العنقودية الذهبية المقاومة للميثيسيلين (MRSA) والمطثية العسيرة (C. difficile). وقد تفاقمت هذه المشكلة عالميا بسبب ندرة تطوير مضادات حيوية جديدة خلال العقود الماضية.
ويعتمد النهج الجديد على فكرة مختلفة عن الطرق التقليدية، إذ لا يسعى إلى قتل الميكروبات مباشرة، بل إلى "تدريب" خلايا المناعة في الجسم، وخاصة الخلايا البلعمية (Macrophages)، لتصبح أكثر كفاءة في مواجهة العدوى.
وقد نجح باحثون في كلية ترينيتي دبلن في تحقيق ذلك عبر تعريض هذه الخلايا لبروتين طبيعي يسمى "إنترفيرون غاما"، وهو جزء من استجابة الجسم المناعية عند التعرض للعدوى.
وأظهرت النتائج أن الخلايا البلعمية أصبحت بعد هذا "التدريب" أكثر سرعة وفعالية في قتل البكتيريا، بما في ذلك بكتيريا خطيرة مثل المكورات العنقودية الذهبية المقاومة للأدوية، إضافة إلى بكتيريا السل.
والخلايا البلعمية هي خط الدفاع الأول في الجهاز المناعي، إذ تعمل على ابتلاع الميكروبات وتدميرها قبل أن تنتشر في الجسم. وعند تعزيزها بالإنترفيرون غاما، ازدادت قدرتها على الاستجابة السريعة والقضاء على مسببات المرض بكفاءة أعلى.
وتقول الباحثة الرئيسية في الدراسة، ديربلا مورفي من كلية ترينيتي دبلن، إن الخلايا "أصبحت أكثر قدرة على قتل بكتيريا السل والمكورات العنقودية الذهبية بعد تدريبها".
واستند هذا الاكتشاف إلى أبحاث سابقة حول لقاحات السل و"كوفيد-19"، التي أظهرت أن الإنترفيرون غاما يلعب دورا مهما في تنشيط الجينات المرتبطة بالمناعة. كما لوحظ أن الأشخاص الذين تلقوا لقاح السل كانوا أقل عرضة للوفاة بسبب أنواع مختلفة من العدوى، وليس السل فقط.
ويحاول الباحثون الآن محاكاة هذا التأثير الوقائي دون الحاجة إلى لقاح، عبر تعزيز ما يُعرف بـ"المناعة الفطرية"، وهي خط الدفاع السريع في الجسم الذي يستجيب لأي تهديد بطريقة عامة دون تكوين ذاكرة مناعية طويلة الأمد.
ويختلف هذا عن "المناعة التكيفية" التي تعتمد عليها اللقاحات، والتي تتعلم كيفية التعرف على مسببات الأمراض المحددة وتكوين ذاكرة مناعية طويلة الأمد ضدها.
ويأمل الباحثون أن يؤدي هذا النهج إلى تعزيز قدرة الجسم على مقاومة مجموعة واسعة من العدوى، بما في ذلك البكتيرية والفطرية والفيروسية، وليس فقط نوعا واحدا منها.
وقد اختبر الفريق البحثي هذا الأسلوب أيضا على خلايا من مرضى لديهم طفرات جينية تزيد من قابلية إصابتهم بالعدوى، ونجح في تحسين استجابتهم المناعية في المختبر.
وتشير الخطوات القادمة إلى اختبار إمكانية استخدام هذا "التدريب المناعي" لعلاج أنواع إضافية من العدوى، مثل الفطريات والفيروسات.
ويأمل الباحثون أن يُستخدم هذا الأسلوب مستقبلا كعلاج مساعد إلى جانب المضادات الحيوية الحالية، خصوصا في حالات العدوى المقاومة.