دعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان المواطنين إلى ترشيد استهلاك الطاقة، محذراً من أن استمرار معدلات الاستهلاك المرتفعة قد يؤدي إلى توقف الإنتاج والصناعة، في دعوة تأتي وسط ضغوط متزايدة على الاقتصاد الإيراني وتراجع قدرة البلاد على تأمين احتياجاتها من الوقود والطاقة وفي ظل مخاوف من تحول الاحتقان الاجتماعي إلى جبهة مشتعلة نتيجة تأثيرات الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية وبقعل عقوبات يبدو أنها بدأت تمس مباشرة قطاعات حيوية في الجمهورية الإسلامية.
وطلب بزشكيان من الموظفين عدم استخدام سياراتهم الخاصة، في محاولة لخفض استهلاك الوقود، مؤكداً أن الحفاظ على موارد الطاقة يتطلب إجراءات عملية وتعاوناً من مختلف فئات المجتمع.
وتكتسب هذه الدعوة أهمية أكبر بالنظر إلى توقيتها، إذ تأتي بينما تواجه إيران حصاراً بحرياً أميركياً يعرقل حركة صادراتها النفطية ويضغط على مداخيلها من العملة الصعبة. ووفق بيانات نقلتها رويترز عن شركات متخصصة في تتبع حركة الناقلات، تراجعت عمليات تحميل الخام الإيراني من نحو مليوني برميل يومياً في مارس/اذاؤ إلى ما بين 220 و255 ألف برميل يومياً في أغسطس/اب، بعدما عطّل الحصار مرور شحنات النفط عبر مضيق هرمز.
ولا تقتصر الضغوط على عائدات النفط، إذ تشير تقارير حديثة إلى أن القيود على الواردات وحركة النقل، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، بدأت تنعكس على النشاط الصناعي وسلاسل الإمداد. كما تقلص الناتج المحلي الإيراني بنسبة 10.1 في المئة في الربع الأول من 2026، وفق بيانات نقلتها إيران واير عن مركز الإحصاء الإيراني، مع انكماش الناتج غير النفطي بنسبة 4.6 في المئة.
ومن هنا، تبدو دعوة بزشكيان إلى خفض الاستهلاك أبعد من كونها إجراءً فنياً لإدارة أزمة الطاقة، فهي تعكس محاولة لتوزيع كلفة الأزمة على المجتمع ومنع انتقال النقص في الوقود والكهرباء إلى توقف أوسع في المصانع ووسائل النقل والخدمات. وقد سبق للرئيس الإيراني أن شدد على ضرورة حماية الإنتاج والوظائف، محذراً من أن توقف الوحدات الصناعية ستكون له آثار مباشرة وغير مباشرة على العمال وسبل عيشهم.
لكن الجانب الأكثر حساسية يتعلق بالشارع الإيراني، فالحكومة تتحرك في بيئة اجتماعية سبق أن شهدت احتجاجات مرتبطة بتدهور الاقتصاد وارتفاع الأسعار، فيما حذرت شخصيات رسمية وأمنية خلال الأسابيع الماضية من إمكانية تحول قضايا مثل الوقود والبطالة ومستويات المعيشة إلى محفزات لاحتجاجات جديدة.
وحذر مسؤولون إيرانيون مرارا من محاولات استغلال الاستياء الداخلي، فيما وصف رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف "المجال الاجتماعي" بأنه أحد جبهات المواجهة التي تواجه بلاده.
ويزيد من حساسية الملف أن رفع أسعار الوقود أو تقليص الدعم يظل خياراً بالغ الكلفة سياسياً، بعدما ارتبطت زيادات سابقة في أسعار البنزين باحتجاجات واسعة. لذلك تبدو مطالبة المواطنين بالاقتصاد في الاستهلاك محاولة لتخفيف الطلب قبل اللجوء إلى إجراءات أكثر صعوبة اجتماعياً.
وتكشف دعوة بزشكيان عن معادلة أكثر تعقيداً تواجهها طهران، فالحصار يضغط على الإيرادات والواردات، بينما يؤدي نقص الطاقة إلى تهديد الإنتاج، وأي انتقال لهذه الضغوط إلى الأسعار والوظائف ومعيشة الأسر قد يزيد التوتر الاجتماعي. لذلك لا يتعلق ترشيد الاستهلاك بالطاقة وحدها، بل بمحاولة إبقاء الأزمة الاقتصادية تحت سقف يمكن للدولة احتواؤه، ومنع تحولها إلى أزمة اجتماعية أوسع.