أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام الجمعة، إطلاق مشاورات بشأن خطة وطنية لتعزيز حضور مؤسسات الدولة داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان، مؤكدا مواصلة العمل على معالجة ملف السلاح الفلسطيني الذي يعتبر أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين الدولة اللبنانية والفصائل، خصوصا في ظل وجود تشكيلات مسلحة متعددة، وتباين مواقفها من تسليم السلاح، فضلا عن تجارب سابقة شهدت اشتباكات داخل المخيمات أو امتد أثرها إلى محيطها.
وتشكلت المخيمات الفلسطينية بوصفها تجمعات لجوء مؤقتة منذ عام 1948، لكنها تحولت على مدى عقود إلى فضاءات سكانية واجتماعية معقدة، تتداخل فيها الأزمات المعيشية مع الإشكالات الأمنية والسياسية، في ظل محدودية حضور المؤسسات الرسمية اللبنانية.
وقال سلام في كلمة خلال إطلاق مسار المشاورات حول الخطة الوطنية لحوكمة المخيمات الفلسطينية في لبنان، بمشاركة جهات لبنانية وفلسطينية وشركاء معنيين بالملف، إن المخيمات الفلسطينية تقع ضمن السيادة اللبنانية وتخضع للقانون اللبناني، وإن معالجة أوضاعها تتطلب مقاربة شاملة تشمل الأمن والخدمات والحقوق الاجتماعية والاقتصادية، موضحا أن الحكومة بدأت بالتعاون مع القيادة الفلسطينية خطوات لمعالجة ملف السلاح الفلسطيني.
وأكد مواصلة العمل لاستكمالها في إطار التزام الدولة بحصرية السلاح وقرار الحرب والسلم، وأضاف أن "حوكمة المخيمات تندرج في صلب الجهود الرامية إلى إعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها"، مشيرا إلى أن اتفاق الطائف نص على بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها وحل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية.
وتستند الحكومة في تحركها الحالي إلى مسار بدأ بعد القمة اللبنانية الفلسطينية في مايو/أيار 2025، التي أكدت ضرورة احترام السيادة اللبنانية وحصر السلاح بيد الدولة، بالتوازي مع تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للاجئين.
ولفت سلام إلى أن القمة التي جمعت الرئيس اللبناني جوزيف عون ونظيره الفلسطيني محمود عباس في بيروت، خلال مايو/ أيار 2025، شددت على احترام السيادة اللبنانية وحصرية السلاح، إلى جانب تحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين.
وأوضح سلام أن الخطة المقترحة تقوم على معالجة شاملة لأوضاع المخيمات الفلسطينية، يكون الأمن إحدى ركائزها، إلى جانب سيادة القانون وانتظام عمل المؤسسات وتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية والخدماتية.
وأشار إلى أن تداخل المسؤوليات واستمرار المعالجات الجزئية والظرفية أديا إلى تراكم مشكلات تستدعي سياسات واضحة وتعاوناً منتظماً بين الجهات المعنية. وبيّن أن الخطة المقترحة تهدف إلى تحديد المسؤوليات وتنظيم التعاون بين مؤسسات الدولة اللبنانية والجهات الفلسطينية ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا".
وأضاف أن الخطة تستند إلى التفاهمات التي توصلت إليها القوى اللبنانية ضمن "الرؤية اللبنانية الموحدة لقضايا اللجوء الفلسطيني في لبنان عام 2017"، واعتبر سلام أن "المطلوب اليوم ترجمة تلك التفاهمات إلى قوانين وسياسات وإجراءات قابلة للتنفيذ".
وأكد أن "تنظيم أوضاع المخيمات وتحسين الظروف المعيشية لسكانها لا يخدم الفلسطينيين وحدهم، بل يصب أيضاً في المصلحة الوطنية اللبنانية، نظراً إلى انعكاس الأوضاع الأمنية والاجتماعية والخدماتية داخل المخيمات على البلدات والمدن المجاورة".
وجدد سلام تمسك لبنان بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وبحق اللاجئين في العودة وفق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194. وأكد رفض لبنان التوطين باعتباره "ثابتاً دستورياً ووطنياً".
كما رفض تهجير الفلسطينيين أو فرض حلول على حساب حقوقهم الوطنية أو على حساب لبنان.
وفي هذا السياق، أشار سلام إلى أن لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني تعمل على إعداد مشروع قانون شامل لتنظيم وضع اللاجئين الفلسطينيين وتحديد حقوقهم وواجباتهم، ومعالجة قضايا العمل والضمان الاجتماعي وغيرها من المسائل العالقة.
وقال إن هذه المسائل طال انتظار معالجتها، وإن الوقت حان لمناقشتها على أساس واضح يجمع بين تحسين ظروف حياة اللاجئين والتمسك برفض التوطين.
وشدد سلام على أن "تعزيز حضور الدولة اللبنانية في المخيمات لا يعني حلولها محل وكالة الأونروا، بل يتكامل مع استمرار الوكالة في أداء مهامها وفق ولايتها الدولية".
ودعا المجتمع الدولي إلى مواصلة دعمها وتأمين التمويل اللازم لاستمرار خدماتها، إلى حين التوصل إلى حل عادل ودائم لقضية اللاجئين الفلسطينيين.
وأعلن سلام إطلاق مشاورات واسعة حول مشروع الخطة، بهدف إتاحة الفرصة أمام الجهات المعنية للمساهمة في بلورة الخيارات العملية قبل رفع صيغتها النهائية إلى الحكومة.
وحث المؤسسات اللبنانية والجهات الفلسطينية وممثلي المخيمات والبلديات والهيئات المدنية والحقوقية على المشاركة وتقديم الملاحظات والمقترحات. وشدد سلام على أن هذه المشاركة ينبغي أن تترك أثراً فعلياً في تطوير الخطة، مع مراعاة اختلاف الحاجات والإمكانات بين المخيمات.
وقال إن الثوابت المتعلقة بسيادة الدولة ورفض التوطين وحق العودة واضحة، فيما تبقى الوسائل والإجراءات والأولويات مفتوحة للنقاش والمراجعة.
ولفت رئيس الحكومة إلى أن نجاح المبادرة سيقاس بمدى تحول معالجة قضايا المخيمات إلى عمل منتظم لمؤسسات الدولة، وبما يلمسه سكان المخيمات والمجتمعات اللبنانية المجاورة من تحسن في الأمن والخدمات والحقوق.