• الساعة الآن 07:03 PM
  • 23℃ صنعاء, اليمن
  • 23℃ صنعاء, اليمن

إيران تسقط سقف الألفي كيلومتر وتلوّح بصواريخ عابرة للحدود

إيران تسقط سقف الألفي كيلومتر وتلوّح بصواريخ عابرة للحدود

يبعث إعلان الحرس الثوري الإيراني إلغاء القيود المفروضة على مدى الصواريخ الباليستية التي كانت تحدد بنحو ألفي كيلومتر، برسالة تهديد في توقيت بالغ الحساسية تتعثر فيه المساعي الدبلوماسية لاحتواء التصعيد، فيما يأتي هذا التحرك تنفيذا لتوجيهات المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية مجتبى خامنئي الذي توعد خلال الآونة الأخيرة برد دون حدود جغرافية على أي هجوم يستهدف طهران.

ولا يبدو القرار مجرد تعديل تقني في العقيدة الصاروخية الإيرانية، بقدر ما يعكس توجها لإعادة رسم حدود القوة والردع، وإظهار أن طهران لا تعتزم إبقاء قدراتها العسكرية رهينة قيود وضعتها بنفسها في مرحلة سابقة، خصوصا في ظل التحولات التي فرضتها المواجهة العسكرية والضغوط المتزايدة على النظام الإيراني.

وتأتي هذه الخطورة بعد تحذير خامنئي من أن أي تهديد أميركي أو إسرائيلي، أيا كان مستواه، سيواجه برد لا تحده قيود جغرافية. وبذلك، يبدو رفع السقف الصاروخي امتدادا عمليا لرسالة سياسية وعسكرية مفادها أن طهران تريد توسيع نطاق المواجهة المحتملة، وعدم حصرها في محيطها الإقليمي إذا تعرضت لهجوم جديد.

وتشير هذه الرسالة، في أحد أبعادها، إلى محاولة إحداث تغيير في حسابات الخصوم، ولا سيما أن المدى السابق البالغ ألفي كيلومتر كان يتيح للصواريخ الإيرانية الوصول إلى إسرائيل وأجزاء واسعة من المنطقة، فضلا عن أجزاء من اليونان والبلقان. أما التخلي عن هذا السقف فيفتح نظريا المجال أمام استهداف مواقع أبعد، بما فيها منشآت عسكرية غربية في مناطق كانت تعد خارج نطاق التهديد الصاروخي الإيراني المباشر.

وتضع هذه المعادلة القواعد والمنشآت التي تستخدمها القوات الأميركية في حسابات أكثر تعقيدا، خصوصا إذا امتلكت إيران مستقبلا صواريخ ذات مدى يتجاوز الحدود السابقة.

كما أن الرسالة لا تقتصر على واشنطن وتل أبيب، بل تمتد إلى العواصم الأوروبية التي قد تجد نفسها معنية بتداعيات أي توسع في القدرات الصاروخية الإيرانية، سواء من زاوية أمن أراضيها أو دور منشآتها العسكرية في دعم العمليات الأميركية.

غير أن الإعلان لا يعني بالضرورة أن إيران باتت تمتلك بالفعل صواريخ عملياتية بعيدة المدى، إذ لم يكشف المتحدث باسم الحرس الثوري، العميد حسين محبي، عن مدى جديد محدد، كما لم يؤكد وجود ترسانة جاهزة لتجاوز سقف الألفي كيلومتر. واكتفى بالقول إن بلاده ستثبت قدراتها عمليا، وهو ما يترك فجوة بين القرار السياسي والقدرة العسكرية الفعلية، التي تتطلب اختبارات ناجحة وأنظمة توجيه دقيقة ورؤوسا حربية قادرة على بلوغ أهدافها.

وتعيد هذه النقطة إلى الواجهة الجدل بشأن المحاولات الإيرانية لاستهداف قاعدة دييغو غارسيا الأميركية البريطانية في المحيط الهندي، خلال مارس/آذار الماضي، بصواريخ قيل إن مداها يقترب من أربعة آلاف كيلومتر، وإن لم تحقق تلك المحاولة إصابة الهدف.

كما تثير المخاوف من إمكانية توظيف تقنيات برنامج الفضاء الإيراني في تطوير صواريخ باليستية بعيدة المدى، وإن كان الانتقال من القدرات الفضائية إلى منظومات عسكرية عملياتية يتطلب متطلبات تقنية إضافية.

وفي البعد العسكري، يعكس القرار أيضا محاولة لتعويض جوانب الضعف التي كشفتها المواجهات السابقة، بعدما تعرضت منظومات الدفاع الجوي الإيرانية لضربات أضعفت قدرتها على حماية المجال الجوي، فالصواريخ الباليستية تمثل إحدى أهم أدوات القوة الإيرانية، ليس فقط باعتبارها وسيلة لضرب أهداف بعيدة، وإنما لكونها ورقة ضغط استراتيجية تتيح لطهران رفع كلفة أي مواجهة جديدة على خصومها.

ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه مؤشرات هشاشة التهدئة، مع استمرار الضغوط الأميركية على إيران، والتحركات العسكرية في محيط مضيق هرمز، بالتزامن مع مساعي الوساطة القطرية لتجنب تجدد الحرب. وهو ما يجعل الإعلان الإيراني بمثابة رسالة مزدوجة: إظهار الاستعداد لمواجهة عسكرية أوسع، مع محاولة تحسين شروط التفاوض عبر التلويح بتوسيع نطاق التهديدات المحتملة.

كما يضع القرار دول المنطقة أمام معادلة أمنية أكثر حساسية، إذ إن أي توسع فعلي في مدى الصواريخ الإيرانية قد ينعكس على أمن الخليج والممرات البحرية وإمدادات الطاقة، فضلا عن زيادة الضغوط على الدول التي تسعى إلى إبقاء أراضيها بعيدة عن الصراع.

وفي المحصلة، لا تكمن دلالة القرار في إلغاء سقف الألفي كيلومتر بحد ذاته، وإنما في إسقاط طهران قيدا كانت تلتزم به طوعا، بما يبعث برسالة مفادها أن قواعد الردع السابقة لم تعد ملزمة لها.

شارك الخبر: