النقار - خاص
تعيش "رداع" على جمرٍ يتقد تحت رماد القبضة الأمنية؛ حيث يشتد توجس جماعة أنصارالله (الحوثيين) من انفلات المدينة ومحيطها القبلي من بين أصابعها. وفي المقابل، يتوثب شبابٌ أحرق الضيم صدورهم جراء حملات القمع، وتفيض عواطفهم المكبوتة نحو رفاقٍ وأهلٍ غيبتهم "زنازن القهر" الموزعة بين البيضاء وصنعاء. هي لحظة احتقانٍ بانتظار الانفجار، حيث الكرامة لا تقبل الانحناء.
تعد رداع واحدة من بؤر التوتر في جغرافية سيطرة جماعة أنصارالله (الحوثيين)، غير أن الأمر لا يعزى إلى صراع ديني أو سياسي بقدر ما هو مزيج من الثأر الشخصي ورفض القمع الأمني، في مجتمع قبلي يرفض الضيم ولا يساوم على الكرامة.
يقول مصدر أمني لـ"النقار" إن مشرفي الجماعة الأمنيين والعسكريين في رداع يعيشون حالة من التوجس والاستنفار منذ أحداث حارة "الحفرة" في مارس 2024، كاشفاً أن أجهزة استخبارات الجماعة تسلط أعينها على رداع، وحي الحفرة على وجه التحديد، لافتاً إلى أن دوريات ليلية تسير وسط احياء المدينة، وتنصب حواجز التفتيش المفاجئة علة مداخل الحارات، كلما شعر المشرفون بمخاوف تهدد قبضتهم الأمنية.
تنظر القيادات العسكرية للجماعة إلى محافظة البيضاء باعتبارها "عقدة جيوسياسية"؛ فهي تجاور 8 محافظات (صنعاء، مأرب، إب، لحج، أبين، شبوة، ذمار، والضالع)، ما يجعلها نقطة ارتكاز وحلقة وصل، وبوابة إمداد نحو الجنوب والشرق، حيث المحافظات الخارجة عن سيطرة الجماعة، فضلاً عن كونها بمثابة العمق الأمني للعاصمة صنعاء من جهة الجنوب. وبالتالي، فإن سقوطها في أيدي خصوم الجماعة يعني وصول التهديد المباشر إلى ذمار ومنه إلى صنعاء؛ ما يجعلهم يستميتون في إبقاء قبضتهم الأمنية محكمة عليها رغم اتساع رقعة الرفض الشعبي.
وبالتوازي، تنظر قيادات الجماعة الأمنية لـ "رداع" الواقعة في غرب محافظة البيضاء بأنها مفتاح المحافظة، والمتحكمة بمداخلها الشمالية والغربية، ما يجعل ارتخاء القبضة عليها خطراً يهدد بسقوط المحافظة بكاملها.
يقول مصدر عسكري سبق له المشاركة في المعارك التي شهدتها قيفة ورداع خلال الفترة من 2014 وحتى 2017، إن لدى الجماعة مخاوف أمنية وتعيش قياداتها حالة توجس من انفجار الوضع في البيضاء، وتحت هذه الضغوط تدير رداع ومحيطها القبلي بحالة طوارئ غير معلنة.
وأكد المصدر لـ"النقار" أن الجماعة سلمت الإدارة العسكرية والأمنية في البيضاء بشكل عام، ورداع تحديداً، لقيادات ذات سجل ضالع في القمع والانتهاكات كـ "أبو نصر الشعف"، وعبد الله العربجي، وأبو حسين الهرمان، ومحمد الكينعي؛ مؤكداً أن جميع هؤلاء متورطون في جريمة نسف ثمانية منازل بالديناميت في حارة الحفرة بمدينة رداع، والتي راح ضحيتها نحو 30 مدنياً، منهم 9 من أسرة واحدة.
وفي السياق ذاته، قال لـ"النقار" مصدر محلي إن مشرف الجماعة الأمني في رداع "أبو حسين الهرمان"، قبل تفجير حارة الحفرة، كان يتوعد بالتنكيل بسكان الحارة، مرجعاً ذلك لأنها ظلت من أقل المناطق استجابة لمحاولات التحشيد، والأقل تفاعلاً مع الأنشطة الدينية التي تنفذها الجماعة؛ معتبراً ما حصل لاحقاً من قتل سيف الزيلعي من قبل الهرمان، وانتقام شقيقه مقبل باستهداف طقم عسكري، تحصيل حاصل للاحتقان بين الطرفين، والذي انفجر بجريمة تفخيخ 8 منازل.
وكشف مصدر محلي ثانٍ لـ"النقار" أن المعتقلين من شباب حارة الحفرة قبل عملية تفخيخ المنازل في مارس 2024، كان قد بلغ نحو 15 شاباً، وأغلبهم اعتقلوا بسبب مجاهرتهم برفض أنشطة الجماعة الدينية، لافتاً إلى أن الاعتقالات ما تزال مستمرة، مقدراً عدد المعتقلين منذ ما بعد تفجير الحفرة بحوالي 50 شخصاً أغلبهم من الشباب، بعضهم في سجون رداع والبيضاء، وبعضهم نقلوا إلى صنعاء.
ويعد الشيخ الشاب علي توفيق ناقوس، عاقل حارة الحفرة، من أبرز المعتقلين، وجاء اعتقاله على خلفية خديعة بعد استدراجه إلى صنعاء مع أحد مرافقيه للتفاهم، بعد أن قدم له مشرفون وقيادات في الجماعة "وجه السيد" وفق ما أفاد به مصدر لـ"النقار"؛ مؤكداً أن ناقوس زُجّ به في سجن جهاز استخبارات الشرطة منذ منتصف العام الماضي مع مرافقه، قبل أن يتم إخفاؤه بداية العام 2026، رغم أن والده الشيخ توفيق ناقوس قاتل مع الجماعة في عدن خلال العام 2015 وتم أسره، ولا يزال أسيراً إلى اليوم.
ووسط القبضة الأمنية التي تفرضها الجماعة على رداع، وحالة التوجس الأمني التي يعيشها مشرفوها، والاحتقان الذي يتصاعد في المجتمع، تعيش رداع على فوهة بركان، والذي إن انفجر فإن حممه ستصيب الجماعة في مقتل.