• الساعة الآن 08:33 PM
  • 24℃ صنعاء, اليمن
  • 24℃ صنعاء, اليمن

نايف عواض يكتب: وهم الطبقية في اليمن: جناية الموروث الاجتماعي على قيم الدين والإنسان

نايف عواض يكتب:  وهم الطبقية في اليمن: جناية الموروث الاجتماعي على قيم الدين والإنسان

 

نايف عواض

​يعيش المجتمع اليمني منذ عقود طويلة تحت وطأة تقسمات طبقية واجتماعية مجحفة، تصنّف الناس بناءً على مهنهم أو أنسابهم، لا على أساس عطائهم الإنساني أو كفاءتهم الأخلاقية والعملية. وفي مشهد غريب، يجد المواطن اليمني نفسه محاصراً بين نظرتين دونيتين: الأولى يمارسها بعض أبناء القبائل ضد أصحاب المهن الحيوية كالجزار، والحلاق، والفنان، وبائع الخضروات (القشام)، والدوشان، حيث يُنبذون ويُطلق عليهم مصطلحات تقليلية مثل "المزاينة" أو "القرويين" ويُمنعون من المصاهرة.

والثانية، يمارسها من يسمون أنفسهم "السادة" ضد أبناء القبائل أنفسهم، معتبرين إياهم طبقة أدنى لا تحق لها مصاهرتهم تحت مسمى "الكفاءة في النسب".

​هذا التراتب الطبقي المعقّد ليس مجرد عادات عابرة، بل هو تشويه حقيقي لجوهر الدين الإسلامي، وهدم لأسس العدالة الاجتماعية، وعائق كبير أمام نهضة الوطن.

​مهن شريفة وصمها المجتمع.. والأنبياء كانوا أصحاب حرف
​من عجائب التناقض في الموروث الشعبي اليمني، أن المهن التي يعتمد عليها المجتمع بشكل يومي للبقاء والنظافة والغذاء والتعبير الثقافي، هي ذاتها المهن التي يُحتقر أصحابها. فالجزار يوفر القوت، والحلاق يمثل النظافة والمظهر الحسن، وبائع الخضار يغذي المجتمع.

​إن هذا الاحتقار يتصادم مباشرة مع السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي؛ فالأنبياء والرسل—وهم صفوة الخلق—كانوا أصحاب حرف ومهن ورعاة غنم. وقد روي عن الرسول ﷺ أنه قال: "مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ" (رواه البخاري). فالإسلام عظّم العمل والإنتاج، واعتبر الكسب الحلال شرفاً، بينما يرى الموروث القبلي المتخلف أن العاطل عن العمل العبء على غيره قد يكون "أرفع مقاماً" لمجرد نسبه، وهو لعمري مقياس مقلوب.

​وهم "السيادة" واحتكار الشرف

​في المقابل، تبرز طبقة "السادة" لتمارس نوعاً آخر من الاستعلاء الطبقي على أبناء القبائل وبقية المجتمع، مستندين إلى أوهام أفضلية السلالة والنسب، ورافضين تزويج أبناء القبائل بحجة عدم "تكافؤ النسب". هذه الممارسة هي امتداد مباشر لنظام الفئات المغلقة الذي حاربه الإسلام بكل ضراوة عند ظهوره، حيث جاء الدين ليكسر كبرياء قريش واستعلائها بأنسابها على بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي.

​الإسلام بريء من عنصرية الأنساب والطبقات
​إن القرآن الكريم والسنة النبوية ينسفان هذه الفوارق المصطنعة نسفاً قاطعاً، ويضعان معياراً واحداً لا غير للتفاضل بين البشر: التقوى، العمل الصالح، والإنتاج.

​المعيار القرآني الحاسم: يقول الله تعالى في سورة الحجرات:
​{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13).
الآية واضحة لا لبس فيها؛ التنوع القبلي والشعبي هو "للتعارف" والتكامل، وليس للتمايز والاحتقار والمصاهرة المشروطة بالسلالة.

​خطبة الوداع وهدم الجاهلية: في أعظم تجمع إنساني في عهد النبوة، أعلن الرسول ﷺ نهاية العنصرية قائلاً: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى" (رواه أحمد).

​نسف معيار النسب في الزواج: عندما أصلح النبي ﷺ منظومة الزواج، لم يلتفت للأنساب والطبقات، بل قال: "إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ" (رواه الترمذي). وما نراه اليوم في المجتمع اليمني من عنوسة وتفكك وعقود من الصراعات هو المصداق الحي لـ "الفتنة والفساد العريض" الناتجة عن مخالفة هذا التوجيه النبوي.

​نحو مجتمع يمني يعيش العصر: 
الكفاءة والاجتهاد هي المقياس
​إن استمرار هذه العادات في اليمن يعد انتكاسة حضارية وأخلاقية. فالمجتمعات الحديثة والناجحة لا تسأل المرء "من أبوك؟" أو "ما هي مهنة جدك؟"، بل تسأله: "ماذا تحسن أن تفعل؟ وماذا قدمت لمجتمعك؟".

​إن المعايير الحقيقية التي يجب أن يُقاس بها الإنسان اليمني اليوم هي:
​الأخلاق والتقوى: أمانته، صدقه، وحسن تعامله مع الناس.
​النجاح والاجتهاد: كفاحه في الحياة، وتعليمه، وقدرته على بناء نفسه وأسرته بعرق جبينه.
​المواطنة المتساوية: أن يتساوى الجميع أمام القانون وفي الحقوق والواجبات، فلا فضل لقبيلة على مهنة، ولا لسلالة على قبيلة.
​ختاماً..
آن الأوان للمجتمع اليمني، بنخبه الثقافية، وعلمائه، وشبابه الواعي، أن يرفعوا الغطاء الحامي لهذه الخرافات الاجتماعية. يجب أن يسقط مصطلح "مزاينة" و"قرويين" ومصطلح "أسياد" من القاموس اليمني، ليبقى مصطلح واحد يجمع الكل: "مواطنون يمنيون متساوون"، يجمعهم سقف الوطن، ويزنهم ميزان العطاء والإنتاج، فمن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه.

شارك المقال: