خاص - النقار
في مجتمع كان يُصنف "التحرش" أو المساس بالطفل والمرأة كـ"عيب أسود" يثير القبائل ويهز الأعراف، تحول الفضاء الرقمي اليمني مؤخراً إلى مرآة صادمة تكشف عن تحولات مرعبة في بنيته الأخلاقية والنفسية.
لم تكن الصورة التي نشرها الإعلامي اليمني عبدالسلام الشريحي لابنته ذات التسع سنوات سوى حالة عفوية لأب يحتفي بطفلته، لكن "صندوق الوارد" في حسابه تحول فجأة إلى مجرور من الرسائل المرعبة. شتائم، وصاية، والأنكى من ذلك: عبارات تحرش جنسي صريح بطفلة لم تبلغ الحلم بعد، بذريعة أن صورتها "مغرية ومثيرة".
هذه الواقعة كانت كاشف لظاهرة تتنامى خلف الشاشات؛ حيث يمتزج الانحراف النفسي بالتدين الشكلي، في ظل فضاء رقمي منفلت لا يحمي البراءة.
تفكيك "البيدوفيليا" المستترة
المرعب في منشور الشريحي لم يكن فقط كمية التحرش، بل السن المستهدف: 9 سنوات. كيف يمكن لعقل سوي أن يرى في جسد طفلة طاقة إغرائية؟
تُجيب الأخصائية النفسية، د. مروى عبدالرحمن، على هذا التساؤل قائلة: "ما نشهده في هذه الحالة ليس مجرد كبت جنسي طبيعي ناتج عن ظروف الحرب والوضع الاقتصادي، بل نحن أمام أعراض 'بيدوفيليا' (اضطراب حب الأطفال) مجتمعية غير مُشخّصة. في البيئات التي تعاني من فصل جندري حاد وتطرف في الخطاب، يجري 'تأثيم وسيطرة' على جسد الأنثى منذ ولادتها. الطفلة في عقل هؤلاء ليست كائناً بريئاً، بل هي 'مشروع عورة' مؤجل، وبسبب هذا الهوس يجري تسليعها جنسياً في وعيهم الباطن قبل أن تنضج".
وتضيف د. مروى: "الخطورة تكمن في 'إنكار المرض'. المتحرش هنا لا يرى نفسه مريضاً أو مجرماً، بل يرى المشكلة في الضحية (الطفلة) أو في أسرتها الذين سمحوا بخروجها للعب أو نشروا صورتها، وهذا يسمى في علم النفس بآلية الدفاع 'الإسقاطي' للهروب من شعور الذنب".
اختفاء المتحرش خلف عباءة "الواعظ"
أشار الشريحي في منشوره الصادم إلى ملمح شديد الأهمية: "والمصيبة أن كل أو أغلب هذه الرسائل أصحابها ينشرون في صفحاتهم ما يوحي بأنهم متدينون بالفعل". كيف يلتصق هذا السلوك القبيح بادعاء الفضيلة؟
يرى الأستاذ في علم الاجتماع، الأستاذ أحمد السامعي، أن اليمن يعيش حالة حادة من "الإنفصام القيمي" تزايدت خلال سنوات الحرب والتشظي الفكري.
ويوضح السامعي قائلاً:
"لقد أنتجت السنوات الأخيرة نمطاً من 'التدين الشكلي الاستعراضي'. هذا النمط يعفي الفرد من تهذيب أخلاقه الداخلية وسلوكه، مقابل ممارسة 'سلطة رقابية' على المجتمع. هؤلاء يرون أنفسهم 'حراساً للفضيلة'، ومهمتهم المقدسة هي نصح الآخرين أو شتمهم لتقويمهم. التحرش بطفلة وتبرير ذلك بـ'سترها' هو قمة القبح الفكري؛ إذ يتحول الدين في نظرهم من كبح للغرائز إلى غطاء يبرر الهجوم على الآخرين وإشباع العقد النفسية تحت لافتة الغيرة على الدين".
غياب القانون وأمن العقوبة
إذا كان الدافع نفسياً وثقافياً، فإن الوسيلة تظل تقنية، والمشجع هو غياب الردع. لماذا يستسهل الآلاف إرسال كلمات نابية وتحرشات صريحة لعائلة إعلامي معروف؟
يؤكد المحامي والحقوقي، الأستاذ خالد العبسي، أن التشريعات اليمنية تعاني من فجوة هائلة فيما يخص الجرائم الإلكترونية، وخاصة تلك الموجهة ضد الأطفال.
يقول العبسي:
"قانون الجرائم والعقوبات اليمني يعود للعام 1994، وهو لا يستوعب بالكامل مفهوم 'التحرش الإلكتروني' أو الابتزاز الرقمي وصور استغلال الأطفال عبر الإنترنت بالصيغة الحديثة. بالإضافة إلى ذلك، فإن انهيار مؤسسات الدولة وضعف أجهزة الأمن والبحث الجنائي الرقمي يجعل ملاحقة هؤلاء أمراً شبه مستحيل، خاصة إذا كانوا يتخفون خلف حسابات وهمية. إن 'أمن العقوبة' هو ما جعل الفضاء الرقمي اليمني بيئة خصبة للمتحرشين دون خوف من ملاحقة قضائية أو فضيحة مجتمعية".
من جانبه، يرى خبير الأمن السيبراني، المهندس معاذ الحمادي، أن الحل المؤقت يكمن في الوعي التقني: "يجب على الأهالي والشخصيات العامة عدم التردد في اللجوء لخيارين: الأول هو التوثيق (Screenshot - تصوير الشاشة) والتشهير القانوني بالمعتدين عبر منصاتهم للضغط على عائلاتهم ومجتمعاتهم، والثاني هو تفعيل أدوات الإبلاغ الجماعي للمنصات (Facebook/Instagram) لإغلاق هذه الحسابات بتهمة انتهاك سياسات حماية الطفولة والاستغلال الجنسي للقاصرين".
جرس إنذار لأمة مأزومة
"هذا مجتمع مخيف بالفعل ولو بيده لفعل ما لا تتخيلون".. تختزل هذه الجملة الأخيرة في منشور عبدالسلام الشريحي حجم الخطر. إن التحرش بطفلة في التاسعة من عمرها تحت مبررات دينية أو أخلاقية ليس مجرد سلوك فردي منحرف، بل هو جرس إنذار لخراب طال الوعي الجمعي في اليمن.
إن حماية الطفولة اليوم في اليمن لم تعد تقتصر على إنقاذهم من صواريخ الحرب ومجاعاتها، بل أصبحت تتطلب – أكثر من أي وقت مضى – ثورة وعي أخلاقية ونفسية، وتشريعات قانونية صارمة تطهر الفضاء الرقمي من ذئاب يرتدون، زيفاً، عباءة الواعظين.