فيصل أمين أبوراس
في زمن الدولة، يحتكم الناس إلى القضاء.
أما في زمن “اللادولة”، فأين الملاذ الذي يلجأ إليه المظلوم؟
عقّب أحد الإخوة المتابعين على مقالٍ سابقٍ لي بالقول:
“ليس من الإنسانية ولا من النبل ولا من الأخلاق أن نمنح أي شخصٍ يدّعي ملكية شيءٍ لا يملكه ما يدّعيه، بحجة الإنسانية والأخلاق؛ لأننا بذلك نشجّع الكاذبين والمزوّرين على كذبهم وتزويرهم.”
وأجد أنه محقّ فيما أشار إليه… لكن ذلك يصحّ في الظروف الطبيعية، وفي ظل دولة حقيقية ومؤسسات مسؤولة.
أما حين تغيب الدولة، وتُعطَّل المؤسسات، ويصبح الدستور حبرًا على ورق، وتنام السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في سريرٍ واحد، وتمارس القهر والظلم والفساد، فهنا تختلف الصورة كليًا.
حين يتحول القضاء إلى “قضاءٍ وقدر” مسلطٍ على رقاب الناس، ويصبح القوي هو من يأكل الضعيف، وتسقط العدالة تحت أقدام النفوذ، لا تعود القضايا تُقرأ بمنطق النصوص، بل بمنطق الواقع القاسي الذي يعيشه الناس.
هل ميرا هي فعلًا من تدّعي أنها هي؟
هل هي ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين؟
هل قام الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح برعايتها؟
وهل الدار التي يدور حولها الجدل مُلكٌ لها؟
الحقيقة أنني لا أعلم، لكنني أيضًا بنفس القدر لا أستطيع الجزم باستحالة صحة ذلك.
غير أن السؤال الأهم ليس هنا.
السؤال الحقيقي:
هل كانت ميرا تسكن تلك الدار لسنوات طويلة؟
وهل أُخرجت منها بالقوة، وصودرت مقتنياتها الخاصة؟
أزعم الإجابة: نعم.
لقد تحرك الحارس القضائي، المحصَّن بسلطة الأمر الواقع، والمسنود بنفوذٍ قضائي وتنفيذي واسع، كجرافةٍ تلتهم كل ما في طريقها؛ من عقارات، وشركات، ومزارع، وبنوك، وجامعات، ومستشفيات، وغيرها كثير. وكانت تلك الدار واحدةً مما امتدت إليه اليد.
وهنا السؤال:
أين موقع قبائل دهم في كل هذا ؟
ميرا — كائنًا من كانت — قطعت مسافة طويلة، وعبرت الصحراء، حتى وصلت إلى مرابع قبيلة دهم، ودخلت من بابٍ يصعب على القبيلة تجاهله أو إغلاقه؛ باب “اللَّحَق”.
امرأة تقول إنها مظلومة، وتقف أمام شيخٍ من مشايخ القبيلة، وتقصّ ظفيرةً من شعرها في حضور القوم… وهذا، في أعراف القبائل اليمنية، موقفٌ ثقيل الدلالة، عظيم المعنى، لا يُستهان به.
هنا في نظري ، لا تكون الأولوية لدى القبيلة في التحقق من صحة نسب ميرا، ولا البحث في اوراق الملكية، بقال انها صودرت وتم التلاعب بها ولا الفصل القانوني في الهبة والإرث، خصوصًا في زمنٍ اختلطت فيه الحقوق تحت وطأة حمى المصادرات، وغابت فيه المؤسسات، وتراجع فيه القضاء تحت هيمنة سلطة الأمر الواقع.
بل تكون الأولوية:
هل كانت هذه المرأة تسكن مطمئنة تلك الدار فعلًا؟
وهل أُخرجت منها بالقوة؟
وهل صودرت ممتلكاتها الخاصة؟
هذه هي النقطة التي اعتقد انها حرّكت دهم، وقد كنتيجة يتحرك ما هو أوسع من دهم إن استمر الشعور امام هذه المظلمة، وانعدام العدالة، وغياب الدولة.
هل هناك من يوظف القضية بصورةٍ مريبة، ويحاول استغلالها لأهدافٍ سياسية أو إعلامية ؟ نعم، لكن ذلك لا ينبغي أن يُنسينا أصل الحكاية، ولا السبب الحقيقي الذي فجّر هذا التفاعل.